خطوط تماس العواصم

Munich Olympics - 1972

Munich Olympics - 1972

خطوط تماس العواصم
بقلم: نديم محسن

1
ليس في العالم مسألة أكثر وضوحًا في حقّها وعدلها من المسألة الفلسطينيّة. ورغم ذلك، فإنّها، ومنذ ستّين عامًا على الأقلّ، مدعاة أخذ وردّ، وحُجّة وضدّها، ورأي وآخر. والحال، فعالم يختلف على حقّ بهذا الوضوح، بل عالمٌ الغلبة فيه للذين يؤازرون المحتلّ المستوطن السفّاح المعتدي، هو حتمًا عالم بلا اتّزان ولا منطق ولا أخلاق!

2
بعد أكثر من ثلاثين عامًا على ثلاثيّة ياسر عرفات من منصّة الأمم المتّحدة: “لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي” وسياساته التفاوضيّة التالية، وبعد عقود من هاجس تحسين صورة الفلسطينيّ والعربيّ في الإعلام الغربيّ، وتخلّي بعض المنظّمات الفلسطينيّة (بمشاركة عقائديّين حزبيّين) عن “العمليّات الخارجيّة” التي لفتت الأنظار إلى الظلم الواقع على فلسطين وأهلها، وبعد تناثُر أعظم ثورة حجارة للأطفال هباء، تَأكَّد سُخف مقولة كسب الرأي العام الأميركيّ والأوروبّيّ وتنوير نُخَبه، وتَثبَّت أنّ هذه استراتيجيّة تحرير بالية! استراتيجيّة، لشدّة فشلها، ليس فقط لم تبدّل بصورة مجدية وجهة الرأي العام الغربيّ حيال الصراع في فلسطين والعدوان الصهيونيّ المتكرّر على لبنان والمشرق، بل أنتجت أيضًا شرائح لبنانيّة وفلسطينيّة وعربيّة، رأيًا عامًّا ونُخَبًا، أقرب في منطقها إلى الترويج الصهيونيّ ووجهة نظره في مسألة نهائيّة احتلاله ووجوده وعبثيّة مقاومته، ولعلّ أبرزها شريحة ثقافة “بدنا نعيش” في لبنان نفسه، والتي تألّقت في حمأة عدوان تمّوز 2006!

كما أثبت انتشار المحطّات الفضائيّة والنقل الحيّ أنّ الرأي العام العالميّ الداعم لـ”إسرائيل” لم يكن ينقصه الصورة ليصوّب رأيه، تمامًا كما أثبتت ذلك تكنولوجيا المعلوماتيّة. فالحقيقة والحقّ والتاريخ هي اليوم أكثر من أيّ وقت سابق، في متناول الجميع، رأيًا عامًا ونُخَبًا خاصّة. غير أنّ منظومة القيَم الفرديّة وشبكة المصالح الماديّة وعقائد التفوّق على أنواعها التي تستحكم بالعقليّة الغربيّة، ومَن يتبنّاها من المشرقيّين والعرب، لا تأبه بالحقّ والعدل وما شابه ممّا تعتبره ترّهات، وتاليًا، لا تلتفت إلى الجريمة والمجزرة والإبادة. فمثلاً، وحتّى كتابة هذه السطور مساء الإثنين، بعد ثلاثة أيّام متواصلة من المذابح في غزّة، لم يكن الرئيس الأميركيّ المنتخَب باراك أوباما قد وجد في ذلك ما يستحقّ التعليق على الإطلاق!

3

لذلك، فالهتافات المليونيّة المستنكِرة للعدوان على غزّة، طاقة مبدَّدة. لا بدّ إذًا، في المدى الحالي، من:
أوّلاً، اقتحام آلاف المتظاهرين هنا وعشرات الآلاف المحتشدين هناك السفارات الإسرائيليّة والأميركيّة والمصريّة في الدول العربيّة، واحتلالها حتّى إنهاء العدوان الصهيونيّ على غزّة، وفكّ الحصار عنها. وفي خطوة تالية، إن لم يتمّ التراجع عن قرار ذبح غزّة، اقتحام سفارات ممالك آل سعود وآل هاشم (ومَن يثبت تورّطهم من الدول الغربيّة) لتوسيع رقعة الضغط. وأمّا الصدام مع القوى الأمنيّة المحلّيّة المولجة حماية أمن السفارات، إن اختارته السلطات المحلّيّة، فسيوضح خطوط التماس الحقيقيّة في العواصم العربيّة بين غزّة والمستعمرات اليهوديّة!
ثانيًا، وتزامنًا مع أوّلاً، اقتحام السفارات الاسرائيليّة والأميركيّة في العالم، وخاصّة في الدول الأوروبّيّة والولايات المتّحدة، حيث الشتات الفلسطينيّ يبلغ عشرات الآلاف، وحيث المشرقيّون والعرب، متحدّرون ومهاجرون ومغتربون، يبلغون مئات الآلاف. إنّ الفلسطينيّين والمشرقيّين عامّة والعرب في المغتربات، وجلّهم من الذين يصنّفهم الاقتصاد طبقة وسطى، أي فاعلة اقتصاديًّا ومستقرّة وظيفيًّا ومستقلّة ماليًّا، مدعوّون لأن يشاركوا في الدفاع عن غزّة بما أوتيوا من إمكانيّات تَحرُّك ومسانَدة. ولعلّ عبارة أنطون سعاده، الشويريّ الذي خبر الاغتراب القسريّ في أربعينيّات القرن الماضي، تصلهم مدوّية عبر أجيال وأميال، “إن لم تكونوا أنتم أحرارًا من أمّة حرّة، فحرّيّات الأمم عار عليكم”!

4

إنّ استجداء تفَهُّم الرأي العام العالميّ للحقّ الفلسطينيّ مضيعة للوقت وتبذير للجهد. والأصحّ، وفي المدى الآتي، إعادة تعريف قواعد الاشتباك ورسم خطوط حمر عسكريّة وأمنيّة جديدة تؤثّر على المسلّمات السياسيّة الدوليّة، بأن يرفض شعب المشرق ومقاوماته أن تبقى أرض المعركة في المشرق، حيث يستشهد المواطنون الأبرياء وتُدمَّر البُنى التحتيّة والفوقيّة دوريًّا بفعل وحشيّة اليهود وأميركا ومؤازرة الغرب وأنظمة العرب، عدوانًا إثر غزو إثر احتلال.
إنّ توسيع ساحة المعركة، بتنظيم وتخطيط ومثابرة، إلى عمق الأراضي المحتلّة، وإلى أرض المعتدين وأماكن تواجدهم ومنشآتهم ومصالحهم ومنازلهم حول العالم، لا يجوز أن يبقى خيارًا منبوذًا مستثنًا، ولا أن يبقى استثناء!

_____________________________
نشرَتها جريدة البلد في 31 ك1 2008

Advertisements

Leave a comment

No comments yet.

Comments RSS TrackBack Identifier URI

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s