مواجهات بالحجارة وخراطيم المياه والقنابل المسيلة للدموع

زينة برجاوي
تتغير خارطة الطريق على المارين بسيارتهم عند المفترق المؤدي الى السفارة الاميركية من ساحة عوكر.

يصطدم هؤلاء بالأسلاك الشائكة التي زنّر عناصر الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي المكان بها. امتعاض من هذا واعتراض من ذاك، غير أن المارين مضطرون إلى الحسم بضرورة سلوك طرق أخرى توصلهم الى مكانهم المراد.

يستمر الانتظار لأكثر من نصف ساعة في صباح الاحد المشمس هذا. يستعد المصورون وتثبّت الكاميرات في بعض الزوايا المحفوظة سلفاً، فالجميع بانتظار المسيرة التي نظمتها المنظمات اليسارية اللبنانية والفلسطينية، امام السفارة الاميركية وهي في طريقها.

يستغل بعض الصحافيين مدة الانتظار لتناول المناقيش من الفرن المجاور. دقائق ويعتذر صاحب الفرن من زبائنه، معلنا عن إقفال محله قبل وصول المعتصمين.

الثانية عشرة ظهرا. تصدح أصوات الشعارات التي يبدأ المعتصمون بتردادها مع وصولهم إلى قبالة مجمع »الأ.بي.سي« في ضبيه. هناك حيث ركنت حوالى ثمانية باصات وعدد كبير من السيارات التي انطلقت من امام مبنى »الإسكوا«، حيث تنفذ تلك المنظمات اعتصاما مفتوحا. يترجّل الجميع من الباصات ويسيرون على أقدامهم باتجاه ساحة عوكر.

يطوّق عناصر الجيش في تلك اللحظة المكان من كل حدب وصوب. من بعيد تأتي موجة بشرية حمراء. أما صور الثائر الأممي شي غيفارا فهي خير دليل على إبراز هوية المعتصمين اليسارية. أعلام فلسطينية تختلط بصوره التي احتلت كنزات الصغار والكبار.
يسبق احد الشبان رفاقه ليتفقد المكان. يمازح صديقه قائلا »ليه مسكرين الجيش الطريق، لانه يوم احد؟«. فيقرر آخر حرق جوازه اللبناني. وما علاقة الجواز اللبناني بالاعتصام هنا؟ لأن »دولتنا لا تعترف بشعبها. سأحرق العلم إما في هذه المظاهرة وإما خلال تجمع آخر«.

مواجهات

تتأهب عناصر الأمن، وتظهر سيارات أفواج الإطفاء. ما زالت المسيرة في طريقها الى مفرق عوكر. يخرج سكان الساحة الى شرفات منازلهم. لا تبدو علامات الاستغراب على وجوههم، كونهم »جيران السفارة« واعتادوا على مشاهدات مسيرات مماثلة.
يقف المتظاهرون في الساحة وفي جعبتهم مجموعة من زجل الشعارات. ولتحديد موقفهم الواضح والصريح من الاعتصام، يرتفع صوت بالعبارة: »مطلب واحد للجماهير، حرق سفارة وطرد سفير«. المقصود هي السفيرة ميشال سيسون، لكن التذكير هو لزوم القافية بالطبع. ولم ينس المتظاهرون رفع الأحذية في وجه السفارة.

يردد شباب ملثمون بالكوفية الفلسطينية: »من غزة طلع القرار الانتفاضة باستمرار«. يرتفع الصراخ الجماعي ويصل الى ذروة، ولأميركا حصة مميزة من الشتائم أمام سفارتها. وتارة يوجه المعتصمون دعوات الى المحتل بالرحيل عن غزة التي »لا تذلّ«، وطورا »اشهد اشهد يا تاريخ حجر غزة صار صواريخ«.
امتار قليلة تفصل المعتصمين عن أفواج عناصر الامن. دقائق ثم يطلقون صرخة »فدائي يضربون الأرض بأرجلهم، ثم يقررون تخطي الشريط الفاصل. وعلى إيقاع »قولوا قولوا يا يسار جايين الشيوعية، هالسفارة رح تنداس«، يحاول المعتصمون فك الأسلاك بهدف التوجه نحو مقر السفارة الاميركية التي يبعد حوالى ١٥٠ متراً عن مكان التجمع. يطلق رجال الإطفاء خراطيم المياه لتفريق المعتصمين، وتبدأ المعركة.

نموت نحن وتحيا فلسطين
هي جبهة إذاً. تقف الأسلاك الشائكة عائقا بين المعتصمين وعناصر مكافحة الشغب التي تقاطرت الى المكان. يصرّ اليساريون على تخطي الشريط الفاصل بأي طريقة. كر وفر ومحاولات لإسقاط الشريط، تواجهها القنابل المسيلة للدموع. يقوم احد ضباط الجيش بمخاطبتهم، داعياً إلى الهدوء. يقاطعونه بعبارات »زيح زيح يا عسكر بدنا نطل على عوكر«. هذا يؤدي إلى زيادة جرعة القنابل.

يقف فوج الإطفاء أمامهم بالمرصاد من جديد. يرجم بعض الشبان القوى الأمنية بالحجارة. يدعو احد المنظمين الى عدم استعمال الحجارة للحفاظ على سلمية التجمع. برغم ذلك، توالى القنابل المسيلة للدموع بالسقوط. تتصاعد المواجهة و.. »نموت نحن وتحيا فلسطين«. ولا يكف الشبان عن التلويح براية فلسطين وعلم الحزب الشيوعي.

يحضر البصل والحامض، لأنه لا بد من اعتماد وصفة الخضار هذه لتجنب الإغماء من رائحة القنابل المسيلة للدموع. تقترب ثلاث دراجات لقوى الأمن من المعتصمين. يترجل أحدهم منها ويقترب باتجاههم. لم تكن في نيته التدخل بالمظاهرة، بل رصد المشهد. يسرق النظر من بينهم، لكن سرعان ما يهرب معهم تجنباً لمياه الخراطيم. هنا يبدأ المعتصمون بالتفرق. ينهون المهمة بحصيلة تشير الى إصابات طفيفة لستة أشخاص وحالات إغماء لحوالى خمسة عشر.
تنتهي المعركة ببلل الشبان والشابات وإنهاكهم التام. لا يريد اليساريون مواجهة شديدة مع عناصر قوى الأمن، لكنهم لا يريدون للسفارة الداعمة لإسرائيل بأن تمضي نهارها من دون أن يقترب منها صوت يحتج على سياسة بلادها. يقررون ترك المكان والعودة الى اعتصامهم المفتوح أمام مبنى »الأسكوا«. لكنهم يرفضون المغادرة بصمت. »هناك شعارات لم نستعملها بعد«، يردّد احدهم. واهمها باسم الرئيس حسني مبارك. تعلو هيصات: »عبد الناصر عامل ايه، حسني مبارك سي.أي.أيه«، بينما يذكر آخر بحرب تموز الأخيرة على لبنان »٣٣ يوم الصهيوني ما شاف النوم، بدنا نعيدها بغزة هيدي المرة«. يعود الجميع الى الباصات التي أقلتهم. يعترض أحدهم »قرار الانسحاب جاء مبكراً يا جماعة…«. يطلب زميله من السائق رفع صوت أغنية السيدة فيروز على صوت الشعب تغني: »لأجلك يا مدينة السلام أصلي«. ينصت الجميع، ويصمتون تماماً.

Advertisements

Leave a comment

No comments yet.

Comments RSS TrackBack Identifier URI

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s